أثار حصول الشركة الجهوية متعددة الخدمات الداخلة–وادي الذهب على قرض فرنسي بقيمة 15 مليون يورو، أي ما يناهز 160 مليون درهم، لتمويل مشاريع مرتبطة بالماء الصالح للشرب والتطهير السائل، تساؤلات مشروعة حول الخيارات المالية المعتمدة لتدبير المرافق الأساسية بجهة تزخر بثروات بحرية هائلة وتحتضن واحداً من أهم أقطاب الصيد البحري بالمملكة.
ولا يتعلق الأمر، كما قد يوحي به تقديم الاتفاقية للعامة، بمنحة فرنسية مجانية، بل بقرض ميسر منحته الوكالة الفرنسية للتنمية للشركة الجهوية، وسيكون من الضروري في نهاية المطاف أداء أصل الدين وما يرتبط به من التزامات مالية وشروط تعاقدية.
جهة غنية بثرواتها وفقيرة في تمويل مرافقها؟
المفارقة التي يصعب تجاهلها أن جهة الداخلة–وادي الذهب تستقبل سنوياً كميات ضخمة من المنتجات البحرية، وتحتضن أساطيل للصيد الساحلي وأعالي البحار، إلى جانب وحدات صناعية وشركات تحقق أرقام معاملات مهمة بفضل استغلال الثروة السمكية المحلية.
ورغم ذلك، عندما يتعلق الأمر بتمويل الماء والتطهير السائل، وهي خدمات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين، تتجه المؤسسات المكلفة بالتدبير نحو الاقتراض من مؤسسة مالية أجنبية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن لجهة تجني من مياهها البحرية ثروات تقدر بملايين الدراهم أن تعجز عن تعبئة جزء من هذه الموارد لتمويل بنياتها الأساسية؟ وأين يظهر الأثر الحقيقي لمداخيل الصيد البحري على جودة الماء والتطهير والطرق والصحة والتعليم وفرص الشغل بالجهة؟
من يستفيد فعلياً من الثروة السمكية؟
لا يكفي التباهي بحجم مفرغات الصيد البحري أو بأرقام إنتاج الأسماك والأخطبوط، إذا كانت هذه المؤشرات لا تنعكس بصورة مباشرة وملموسة على حياة سكان الجهة.
فالمطلوب اليوم هو توضيح حجم العائدات التي تولدها أنشطة الصيد البحري بالداخلة، ونسبة ما يعود منها إلى ميزانية الجهة والجماعات الترابية، مقابل ما يذهب إلى خزينة الدولة أو إلى الشركات والمستثمرين المستفيدين من رخص الصيد والتصنيع والتصدير.
إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الثروة، بل في طريقة توزيع عائداتها ومدى توجيهها نحو تنمية المجال الذي تُستخرج منه. فلا يعقل أن تبقى الداخلة مجرد فضاء للإنتاج والاستغلال، بينما يجري البحث عن القروض الخارجية لتمويل شبكات الماء والتطهير التي يفترض أن تكون من أولويات الاستثمار العمومي المحلي والوطني.
شركة تحقق الأرباح ثم تتجه إلى الاقتراض
وتزداد علامات الاستفهام بالنظر إلى النتائج المالية التي أعلنتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات نفسها، بعدما كشفت عن تحقيق نتيجة صافية بلغت 77 مليون درهم، مع توفرها على خزينة صافية إيجابية تناهز 94.6 مليون درهم عند نهاية دجنبر 2025.
وإذا كانت الشركة قد حققت هذه الأرقام خلال أقل من ثلاثة أشهر من انطلاق عملها الفعلي، فمن حق الرأي العام أن يعرف لماذا جرى اللجوء مباشرة إلى قرض أجنبي بقيمة تقارب 160 مليون درهم.
هل أنجزت الشركة دراسة تثبت عدم قدرتها على تمويل المشاريع من مواردها الذاتية؟ وما القيمة الإجمالية للبرنامج الاستثماري؟ وما مدة سداد القرض ونسبة فائدته؟ وما الضمانات المقدمة للوكالة الفرنسية للتنمية؟ وهل ستنعكس خدمة الدين مستقبلاً على فواتير الماء والتطهير التي يؤديها المواطنون؟
إن وصف القرض بأنه «تمويل» دون الكشف عن تفاصيله قد يقدم صورة مبتورة للرأي العام، لأن التمويل الخارجي ليس مالاً مجانياً، بل التزام مالي ستتحمل الشركة تبعاته لسنوات.
المطلوب ليس رفض الاستثمار بل حماية الاستقلال المالي
لا يتعلق النقاش برفض التعاون الدولي أو التشكيك في أهمية مشاريع الماء والتطهير السائل، فالجهة تحتاج بالفعل إلى استثمارات عاجلة لتوسيع الشبكات، ومحاربة التسربات، ومعالجة المياه العادمة، وحماية البيئة البحرية.
لكن التعاون شيء، وتحويل الاقتراض الخارجي إلى خيار أول لتمويل المرافق الأساسية شيء آخر.
كان الأجدر قبل التوجه إلى الوكالة الفرنسية للتنمية فتح نقاش جهوي ووطني حول إمكانية مساهمة الشركات المستفيدة من الثروة السمكية، ورفع حصة الجماعات الترابية من العائدات المرتبطة بالصيد، وتخصيص موارد مالية قارة لتمويل الماء والتطهير وحماية البيئة.
كما كان ممكناً دراسة مساهمة مجلس الجهة، والمجالس المنتخبة، والقطاعات الحكومية المعنية، إلى جانب إعادة استثمار جزء من أرباح الشركة الجهوية، قبل تحميلها ديناً خارجياً جديداً.
التنمية الحقيقية تبدأ من استفادة السكان من ثرواتهم
إن جهة الداخلة–وادي الذهب ليست منطقة فقيرة في الموارد، بل منطقة تعاني ضعف تحويل ثرواتها الطبيعية إلى خدمات عمومية ذات جودة.
فالثروة السمكية التي تغادر موانئ الجهة يومياً يجب ألا تنعكس فقط على أرباح الشركات وأرقام الصادرات، بل ينبغي أن تتحول إلى ماء صالح للشرب، وشبكات تطهير حديثة، ومستشفيات ومدارس وطرق وفرص عمل لأبناء المنطقة.
أما استمرار استغلال البحر محلياً، وتجميع الأرباح في مكان آخر، ثم العودة إلى المؤسسات الأجنبية لاقتراض الأموال من أجل تمويل أبسط المرافق، فهو نموذج يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
ويبقى من واجب الشركة الجهوية متعددة الخدمات ومجلس جهة الداخلة–وادي الذهب تقديم جميع تفاصيل هذا القرض للرأي العام، والكشف عن شروطه ومدته وتكلفته وكيفية سداده، مع ضمان ألا يتحول مستقبلاً إلى ذريعة لرفع تعرفة الماء أو تحميل المواطنين كلفة خيارات مالية لم تتم استشارتهم بشأنها.
فالداخلة ليست بحاجة إلى مزيد من الخطابات حول غناها البحري، بل إلى سياسة مالية عادلة تجعل سكانها أول المستفيدين من الثروات المستخرجة من مجالهم البحري.



تعليقات
0