كل سنة، تعود مدينة الداخلة إلى واجهة الأخبار بسبب تنظيم مهرجان للفيلم يُقدَّم للرأي العام على أنه حدث ثقافي وفني كبير، غير أن السؤال الذي بات يطرحه كثير من أبناء المدينة والأقاليم الجنوبية بإلحاح هو: ماذا استفادت الداخلة فعلاً من هذا المهرجان غير الصور، والسجاد الأحمر، واستعراض الوجوه القادمة من شمال المملكة وخارج المغرب؟
الواقع أن المهرجان، رغم ما يُصرف عليه من إمكانيات ودعم، لم ينجح طوال سنوات في خلق أثر ثقافي حقيقي داخل المدينة، ولم يساهم في بناء صناعة سينمائية محلية أو احتضان طاقات شبابية من أبناء الصحراء المغربية. فباستثناء بعض الفقرات البروتوكولية والندوات الشكلية، يظل أبناء الأقاليم الجنوبية مجرد متفرجين على حدث يُقام فوق أرضهم دون أن يكونوا جزءاً فعلياً منه.
والأكثر إثارة للانتقاد أن هذا المهرجان لا يمنح أي اهتمام جدي لتكوين شباب المنطقة في مجالات الإخراج، والسيناريو، والتصوير، والإنتاج السينمائي، ولا يخلق معاهد أو ورشات دائمة أو برامج احتضان للمواهب المحلية. فكيف يمكن الحديث عن “تنمية ثقافية” في غياب أبسط شروط صناعة الفن والسينما بالمنطقة؟
إن الداخلة اليوم ليست في حاجة إلى مهرجانات موسمية تنتهي بانتهاء الكاميرات والأضواء، بقدر ما تحتاج إلى مشاريع حقيقية ومستدامة. المدينة بحاجة إلى بنية تحتية قوية، ومستشفيات، ومؤسسات جامعية، ومراكز تكوين، وقاعات ثقافية مجهزة، وفرص شغل للشباب، قبل الحديث عن استقبال النجوم والفنانين في فنادق فاخرة لأيام معدودة.
كما أن استمرار تغييب أبناء الأقاليم الجنوبية عن المشهد التنظيمي والفني للمهرجان يطرح علامات استفهام كبيرة حول فلسفة هذا الحدث. فمن غير المقبول أن يُقام مهرجان يحمل اسم الداخلة، بينما الحضور الصحراوي فيه يكاد يكون رمزياً أو مناسباتياً، في مقابل حضور مكثف لوجوه اعتادت التنقل بين المهرجانات الوطنية دون أي ارتباط حقيقي بقضايا المنطقة أو هموم ساكنتها.
ويذهب عدد من المتابعين إلى اعتبار أن هذه التظاهرات أصبحت أقرب إلى “سياحة مهرجانات” تستفيد منها فئات محدودة، دون أي انعكاس ملموس على التنمية الثقافية أو الاقتصادية للمدينة. فالمواطن البسيط في الداخلة لا يرى من المهرجان سوى إغلاق بعض الفضاءات، والضجيج الإعلامي المؤقت، بينما تظل مطالبه اليومية معلقة دون حلول.
إن الفن الحقيقي لا يُبنى بالاستعراض، بل بالاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي خلق جيل من المخرجين والفنانين المحليين القادرين على نقل ثقافة الصحراء وقضاياها إلى الشاشة الوطنية والدولية. أما الاستمرار في تنظيم مهرجانات باهظة الكلفة دون أثر واضح، فهو مجرد ترف مؤسساتي لا ينسجم مع واقع مدينة ما تزال تنتظر الكثير من المشاريع الأساسية.



تعليقات
0