في الوقت الذي تحتضن فيه مدينة الداخلة فعاليات المهرجان الدولي للسينما، يعود النقاش من جديد حول جدوى مثل هذه التظاهرات الثقافية والفنية، وحول مدى انسجامها مع الواقع اليومي لمدينة لا تزال ساكنتها تعاني من اختلالات واضحة في عدد من الخدمات الأساسية.
فلا أحد يمكنه أن ينكر أهمية الثقافة والفن والسينما في التعريف بالمدن، وخلق جسور التواصل والانفتاح، غير أن السؤال المشروع الذي يطرحه عدد من المتتبعين هو: ما الفائدة الحقيقية التي يجنيها المواطن البسيط من تنظيم مهرجانات مكلفة، في وقت لا تزال فيه أحياء بالمدينة تعاني من ضعف البنية التحتية، وخصاص في المرافق العمومية، ومشاكل متكررة في النظافة والإنارة والطرق والخدمات الاجتماعية؟
إن مدينة الداخلة، التي يتم تقديمها في الخطابات الرسمية كوجهة سياحية عالمية ومدينة صاعدة، تحتاج قبل كل شيء إلى تقوية أساسيات العيش الكريم. المواطن لا ينتظر بساطا أحمر، ولا صورا تذكارية، ولا حفلات استقبال، بقدر ما ينتظر طرقا جيدة، ومرافق صحية في المستوى، وخدمات اجتماعية قريبة، وفرص شغل حقيقية، وفضاءات عمومية تحفظ كرامته اليومية.
المثير للاستغراب أن أموالا وجهودا مهمة تُرصد لمثل هذه التظاهرات، بينما تبقى مطالب السكان مؤجلة إلى أجل غير معلوم. فهل من المنطقي أن يتم الاحتفاء بالسينما والضيوف والبرامج الفنية، في وقت لا تزال فيه ملفات اجتماعية وتنموية عالقة؟ وهل تكفي بعض الندوات والعروض السينمائية لتبرير صرف مبالغ كان من الممكن توجيهها إلى مشاريع أكثر التصاقا بحاجيات الساكنة؟
إن الإشكال لا يكمن في تنظيم مهرجان سينمائي في حد ذاته، بل في غياب ترتيب واضح للأولويات. فحين تكون المدينة قد قطعت أشواطا حقيقية في معالجة مشاكلها الأساسية، يصبح من الطبيعي أن تحتضن مهرجانات كبرى وتظاهرات دولية. أما حين تكون الفجوة قائمة بين الصورة التي يراد تسويقها والواقع الذي يعيشه المواطن، فإن مثل هذه الأنشطة تتحول إلى واجهة براقة تخفي خلفها أسئلة محرجة.
كما أن الحديث عن الإشعاع الثقافي والسياحي للمدينة يجب أن يقابله نقاش شفاف حول الأثر الفعلي لهذه المهرجانات على الاقتصاد المحلي. كم منصب شغل دائم تخلقه؟ كم مقاولة محلية تستفيد فعليا؟ ما نصيب شباب الداخلة ومبدعيها من البرمجة والدعم والتكوين؟ وهل تتحول هذه المناسبات إلى رافعة حقيقية للتنمية، أم تبقى مجرد مناسبات عابرة تنتهي بانتهاء الحفلات والصور الرسمية؟
إن الساكنة من حقها أن تعرف كيف تُصرف الأموال العمومية أو أموال الشركاء والمؤسسات الداعمة، ومن حقها أيضا أن تطالب بتقييم موضوعي لهذه التظاهرات، بعيدا عن لغة المجاملة والتنويه الجاهز. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المهرجانات المنظمة، بل بمدى تحسن حياة المواطن، وجودة الخدمات، وعدالة توزيع المشاريع داخل المدينة.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة تدبير هذه التظاهرات، وربطها بأهداف واضحة وقابلة للقياس، مع إعطاء الأولوية لما يحتاجه المواطن فعليا. فالداخلة ليست في حاجة إلى مزيد من الواجهات الاحتفالية بقدر ما هي في حاجة إلى رؤية تنموية تجعل الإنسان في صلب الاهتمام.
وفي ظل استمرار فعاليات المهرجان، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح: ماذا يستفيد المواطن الدخلاوي من مهرجان دولي للسينما، إذا كانت مدينته لا تزال تعاني من أبسط المقومات التي تجعل الثقافة والفن جزءا من حياة كريمة، لا مجرد ترف موسمي عا
:::



تعليقات
0