haeder
أحداث الداخلة|غير مصنف

جدلية الزمن الإداري والإيقاع البيولوجي: مقاربة تفكيكية لأبعاد السياسة الزمنية بالمغرب ومآلاتها في أفق صيف 2026

file_00000000d05c71fd9f4bb9b1ccb86c7e

بقلم: د. محمد سالم اولحسن

atls 2

​شكل تدبير الزمن العام بالمملكة المغربية أحد أكثر المواضيع إثارة للنقاش الأكاديمي والعمومي خلال العقد الأخير. فمنذ اعتماد التوقيت الصيفي المستمر (GMT+1) بموجب المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في أكتوبر 2018، انقسمت الرؤى بين أطروحة تكنوقراطية تبرر الخيار بضرورات النجاعة الاقتصادية والتنافسية الدولية، وبين مقاربة سوسيولوجية وصحية تنبه إلى كلفته الإنسانية والاجتماعية.

​إلا أن المقررات الصادرة عن مجلس الحكومة المنعقد اليوم 25 يونيو 2026، والتي أقرت مشروع مرسوم جديد يقضي بالرجوع النهائي إلى الساعة القانونية للمملكة (توقيت غرينيتش GMT) ابتداءً من متم صيف 2026 (20 شتنبر 2026)، مثلت انعطافا سياسيا بنيويا تدعو الباحثين إلى إعادة قراءة هذا التحول. تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تفكيكية لأبعاد هذه السياسة الزمنية وسياقات الانتقال من “زمن العولمة الافتراضي” إلى “الزمن الطبيعي المستقر”.

​أولا المقاربة السيكو-سوسيولوجية: الاغتراب الزمني وأزمة المعيش اليومي
​تنطلق المقاربة السوسيولوجية لزمن الساعة من مفهوم “التزامن الاجتماعي” فالاستقرار على توقيت GMT+1 طيلة ثماني سنوات أحدث شروخاً واضحة في بنيات العادات والتقاليد اليومية للمجتمع المغربي:

​اختلال الإيقاع اليومي حيث يؤدي فرض الاستيقاظ والتحرك قبل بزوغ الفجر بمدة زمنية طائلة إلى حالة من “الاغتراب الزمني”، حيث يضطر الفرد لملاءمة نشاطه الاجتماعي مع زمن افتراضي لا يتطابق مع المعطى الجغرافي والإضاءة الطبيعية.

​مؤشر الأمان السوسيولوجي: تتضاعف الهشاشة الأمنية في الفضاءات العامة خلال الساعات الصباحية الأولى، مما يرفع من منسوب “القلق الاجتماعي”، لاسيما لدى فئات العمال بالمدن الصناعية الكبرى والنساء العاملات، وهو ما يمس مباشرة بالاستقرار النفسي للأفراد والجماعات.

​ثانيا البعد البيداغوجي والتربوي:
يمثل قطاع التربية والتكوين المنظومة الأكثر تأثراً بالهندسة الزمنية المفروضة، حيث رصدت الأبحاث التربوية اختلالات عميقة على مستويين:
​أ. المردودية المعرفية والفيزيولوجية للمتعلم

​تؤكد أدبيات علم النفس التربوي أن الحرمان المزمن من النوم الناتج عن التفاوت بين ساعة الاستيقاظ والطلب البيولوجي للنوم يؤثر بنيوياً على الوظائف التنفيذية للدماغ (الانتباه، الذاكرة العاملة، والقدرة على الاستيعاب) خلال الحصص الصباحية الأولى، مما يؤدي إلى تراجع مؤشرات التحصيل الدراسي.

​ب. العدالة المجالية وتكافؤ الفرص
​برز التفاوت الزمني كعامل مكرس لعدم المساواة بين المجالين الحضري والقروي:
​المجال الحضري: واجهت الأسر ضغوطاً حادة لتوفيق الزمن المدرسي للأبناء مع الزمن المهني للآباء.

​المجال القروي: اتخذ الأمر بعداً جغرافياً قاسياً؛ حيث يضطر التلاميذ لقطع مسافات طويلة مشياً في شروط مناخية ونفسية صعبة وسط الظلام، مما ساهم في رفع معدلات الهدر المدرسي، لا سيما في صفوف الفتيات. بناءً عليه، فإن قرار العودة إلى توقيت GMT يندرج ضمن متطلبات الإنصاف المجالي وتجويد زمن التمدرس.

​ثالثا البعد الصِّحي
​من المنظور الطبي، تشير الدراسات الكرونوبيلوجية إلى أن تمديد التوقيت الصيفي طيلة السنة يؤدي إلى اضطراب في “رحلات النوم” والتمثيل الغذائي.

​ملاحظة كلينيكية: إن إجبار الجسد البشري على بدء نشاطه الحركي والذهني في غياب الحافز الضوئي الطبيعي (أشعة الشمس التي تحفز إفراز الكورتيزول وتثبط الميلاتونين) يؤدي إلى خلل هرموني مستمر. هذا الخلل يرتبط إحصائياً بارتفاع مؤشرات الإجهاد النفسي، متلازمة التعب المزمن، وضَعف كفاءة الجهاز المناعي على المدى الطويل.

مآلات السياسة الزمنية: قرارات 2026 وإعادة الاعتبار للمقاربة الاجتماعية
​يمثل القرار الحكومي الصادر في يونيو 2026 بالعودة النهائية لـ GMT في متم صيف 2026 اعترافاً سياسيا ضمنياً بحدود طاقة التحمل السيكو-اجتماعية للمجتمع.

ويمكن تحليل هذ الانعطاف عبر محددين:
​تغليب المقاربة الإنسانية على التكنوقراطية: يعكس القرار تحولا في عقيدة الحكامة العمومية، حيث انتقل المشرع من حكامة المؤشرات “الماكرو-اقتصادية” الجافة إلى حكامة “الرأسمال البشري” وجدة الحياة. فالاستجابة للمطالب الشعبية بعد سنوات من الممانعة تؤكد أن الاستقرار النفسي والمجتمعي يمثل أساس التنمية المستدامة.

​إنهاء متلازمة “الزمن المهتز”: وضعت العودة النهائية لغرينيتش حداً لآلية التغيير الموسمي المزدوج التي كانت تعتمد قبل وبعد شهر رمضان المبارك، وهي الآلية التي كانت تضاعف من “صدمات التوقيت” لدى المواطنين وتعوق التخطيط الاستراتيجي للمؤسسات الإنتاجية والتعليمية.
​أخيرا وفي وآفاق استشرافية

و​تأسيساً على ما سبق، يتضح أن جدلية الساعة القانونية بالمغرب لم تكن مجرد نقاش تقني حول توزيع الوقت، بل كانت صراعاً صامتاً بين مستويين من الحكامة: زمن مندمج في عولمة اقتصادية عابرة للحدود، وزمن محلي متجذر في جغرافية المكان والإيقاع الطبيعي للإنسان.

​إن القرار لعام 2026 بالرجوع إلى ساعة غرينيتش يفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين لدراسة “أثر الرجوع التقييمي” على المؤشرات الصحية والتعليمية والإنتاجية بالمغرب، ويوجه رسالة واضحة مفادها أن أي هندسة للسياسات العمومية لا تضع الإنسان في قلب معادلتها تظل فاقدة لشرعية الاستمرار ومحكومة بالعودة إلى الأصل الطبيعي…

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أحداث الداخلة