بقلم: د.محمد سالم اولحسن
ينبغي مقاربة ظاهرة الغش المدرسي بوصفها مجرد سلوك انحرافي فردي معزول، بل كعَرَض بنيوي دالّ على أزمة مركبّة تمسُّ فلسفة التربية وقيم المجتمع. إنها تعبير صريح عن لحظة “فقدان الاستحقاق لمعناه”، وتحوّل المؤسسة التعليمية من فضاء لبناء الكفايات إلى سوق لإنتاج الرموز.
أولاً: أزمة المعنى التربوي وانزياح الغايات (من ثقافة الكفاءة إلى ثقافة الشهادة)
تتحدد الأزمة العميقة للتعلم اليوم في انتقاله من “الدافعية الداخلية” (الشغف بالمعرفة والتفكير النقدي) إلى “الدافعية الخارجية” المحصورة في البراغماتية النفعية (النقطة، والشهادة، والترقي الاجتماعي).
التعلم السطحي والزمني: أدى الرهان على الاختبارات الكمية إلى بروز “تعلم لحظي” ينتهي بانتهاء الامتحان، وهو ما أفرغ العملية التعليمية من كفاياتها المستدامة.
سلطة الرمز على حساب المضمون: تحولت الشهادة إلى غاية قائمة بذاتها مستقلة عن المعرفة الفعلية، مما شرعن “الغش” كآلية للوصول إلى هذا الرمز بأقل تكلفة معرفية.
يلتقي هذا التشخيص المعاصر مع تحذيرات أبي حامد الغزالي (في إحياء علوم الدين) من فساد النية وتحول العلم لطلب الجاه، مثلما يتقاطع مع أطروحة المفكر محمد عابد الجابري الذي انتقد ارتهان المدرسة العربية للحفظ والتلقين، مما أفضى إلى هيمنة “ثقافة الشهادة” على “ثقافة الكفاءة” وتخريج بنيات ذهنية عاجزة عن التحليل والنقد.
ثانياً: تراجع ثقافة الاستحقاق وتشوّه التحديث المجتمعي
يرتبط تنامي الغش المدرسي بنيوياً بتراجع منسوب الثقة في “عدالة الاستحقاق” داخل الفضاء السوسيو-اقتصادي. فعندما يتشبع المتعلم بتمثلات تؤكد أن الارتقاء الاجتماعي محكوم بالوساطة والزبونية (“باك صاحبي”) لا بالكفاءة الفردية، يعجز عن بذل الجهد العقلاني.
انفصام الحداثة الشكلية: إن غياب معايير النزاهة في تكافؤ الفرص يُنتج حداثة مشوهة تعتني بالمظاهر (المؤهلات الورقية) وتُهمل الجواهر (المؤهلات الفعلية).
اهتزاز العقد الأخلاقي: يصبح الغش في هذه البيئة استجابة عقلانية سلبية لنظام قيمي مجتمعي يفتقر إلى الشفافي يؤكد المفكر عبد الله العروي (في مفهوم العقل) أن بناء مجتمع حديث يستلزم تلازماً بنيوياً بين العقلانية، وسيادة القانون، ومبدأ الاستحقاق كمعيار وحيد للتوزيع والترقي. بناءً عليه، فإن التعليم النفعي والغش هما إعادة إنتاج للفكر التقليدي القائم على المظهر والامتياز غير المشروع، مما يعوق الانتقال نحو مجتمع عقلاني حديث.
إن مواجهة الغش المدرسي تتجاوز المقاربات الزجرية والتقنية؛ إنها تقتضي إصلاحاً برادغماتياً يعيد للتعلم قيمته الذاتية، ويربط الشهادة بالكفاءة الفعلية، ويسيج الفضاء الاجتماعي بقيم النزاهة والعدالة التوزيعية، ليعود للاستحقاق معناه وجدواه…



تعليقات
0