كشفت التزكية التي منحها حزب الأصالة والمعاصرة للرئيس السابق لمجلس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، على رأس اللائحة التشريعية مع تنصيب نجله وصيفاً له، عن فجوة عميقة وصادمة بين الخطاب النظري الذي يروجه الحزب حول “الحداثة والديمقراطية وتجديد النخب”، وبين الممارسات الميدانية التي تعيد إنتاج أسوأ مظاهر الإقطاع الحزبي وخصخصة الشأن العام، محولةً الاستحقاق الانتخابي من محطة للتنافس الديمقراطي الشريف إلى صفقة عائلية مغلقة.
ولم يكن مفاجئاً أن تثير هذه الخطوة موجة سخط واستنكار واسعة في المشهد السياسي المحلي؛ فالحزب الذي طالما رفع لواء القطيعة مع الممارسات البائدة وحارب—نظرياً على الأقل—منطق الريع العائلي والزبونية، سقط في أول اختبار حقيقي بدائرة وادي الذهب في فخ “التوريث المبتذل”، مفضلاً منطق الولاءات الدموية وحسابات المقاعد البراغماتية على حساب الديمقراطية الداخلية، وموجهاً صفعة قاسية لأطره الشابة ومناضليه الذين وجدوا أنفسهم مجرد ديكور انتخابي يُطلب منهم التصفيق لمشروع تمكين سلالة سياسية داخل الحزب.
وتتحمل قيادة الحزب والخطاط ينجا معاً مسؤولية هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي؛ فالأولى برهنت على استعدادها للتنازل عن كل مبادئها التأسيسية وأدبياتها السياسية مقابل حصد مقعد برلماني، والثاني تصرف وكأن التمثيلية النيابية للجهة إرث عائلي يُمرر من الأب إلى الابن، ضارباً بعرض الحائط قواعد تكافؤ الفرص وأبسط معايير الكفاءة والاستحقاق التي يطالب بها شباب الجهة المتعطشون لفرص حقيقية في المشاركة السياسية وصناعة القرار.
إن هذا السلوك لا يُعد فقط استخفافاً بذكاء الهيئة الناخبة بجهة الداخلة وادي الذهب، بل يمثل ضربة صريحة لمسار التخليق السياسي وثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية، إذ يعزز القناعة السائدة بأن التغيير الحقيقي يظل معطلاً ما دامت الأحزاب تسلم مفاتيح مقراتها وتزكياتها لنخب تبحث عن تحصين مصالحها وتكريس نفوذها العائلي على حساب تطلعات الساكنة ومبادئ الديمقراطية.


تعليقات
0