نور السند وتربية السلسلة: من معاني الإرث الروحي إلى واقعة فاس
*المقدمة*
تمرّ الطرق الصوفية بلحظات دقيقة تكشف جوهر الطريق وتظهر حقيقته؛ لحظات يبرز فيها معنى السند الروحي كما ورثه أهل التربية، وتتجلّى فيها أنوار الباطن عند من صفَت قلوبهم وصدقَت نياتهم، ويُختبر فيها صدق الانتساب قبل ظاهر الانتماء.
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
العنكبوت:02
وفي مثل هذه المنعطفات لا يكون الميزان هو الأسماء ولا المواقع، ولا حتى الوصايا والإشارات، بل يُرجِع السالك إلى معيار أعمق وأصدق: النفس التربوي الذي يستقر في القلوب، والاستقامة التي تُصدق هذا النفس وتكشف جوهره.
فالإرث الروحي لا يُمنح لمن يحسن القول، بل لمن يشهد له العمل، ومن لم تُقِمه الاستقامة على باب الله فلا يصلح لحمل السرّ ولو كثر حوله الكلام.
وفي هذا الأفق يبرز مقام سيدي معاذ القادري البودشيشي باعتباره وارثًا لنفس تربوي تخلّق في حضرة الجدّ سيدي حمزة، وتأكد مع الوالد سيدي جمال، وتجلّى في استقامته وخدمته، قبل أن تشهد له الوقائع الروحية والقرارات الظاهرة بما استقر في الباطن عبر السنين.
*المحور الأول: معنى الإرث الروحي في الطريق*
الإرث الروحي عند أهل التصوف ليس وراثة نسبية ولا امتدادًا تنظيميًا، بل هو سرّ ينتقل بالاستعداد والصفاء وصدق السلوك.
فهو عطاء قلبي لا تُنال حقيقته بالانتساب الظاهري ولا بالقرب المادي، وإنما بما يهيئه السالك في نفسه من صفاء النية وطهارة القصد وحسن الأدب.
﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
الشعراء:89
وكلما زاد استعداد القلب وتزكّت النفس، ازدادت قابليته لحمل هذا السرّ الذي لا يتنزّل إلا على من صدق مع الله في باطنه وظاهره.
والسند عند القوم لا يُقاس بالكثرة ولا بالظهور، بل بما يتركه الشيخ في قلوب المريدين من نور وطمأنينة واستقامة.
فالعبرة ليست بعدد الأتباع ولا بصخب الحضور، بل بالأثر التربوي الذي يرسخ في القلوب: نورٌ يثبت، وطمأنينة تُصلح، واستقامة تشهد لصاحبها.
وهذا الأثر هو العلامة التي يُعرف بها الوارث الحقيقي، لأنه أثر لا يقدر عليه الادعاء ولا يصنعه الكلام.
وعندما تتعدد التأويلات وتشتدّ الفتن، يحتاج السالك إلى ميزان يفرّق به بين الوميض العاطفي والنور الحقيقي، ولا يكون هذا الميزان إلا النفس التربوي وصفاء الباطن والاستقامة العملية التي تترجم صدق السير.
فالنفس التربوي يمنح السالك القدرة على التمييز، وصفاء الباطن يحفظه من الخلط، والاستقامة العملية تجعل سلوكه شاهدًا على صدقه، حتى لا يغترّ ببريقٍ عابر ولا بإشارةٍ لا تستند إلى أساس تربوي راسخ.
*المحور الثاني: نشأة سيدي معاذ في حضن السلسلة*
نشأ سيدي معاذ في قلب التجربة البودشيشية، قريبًا من جده سيدي حمزة ومن والده سيدي جمال، بين مجالس الذكر والتربية والخدمة.
فقد عاش منذ صغره داخل الجو الروحي الذي تشكّلت فيه معاني الطريق، محاطًا بأجواء الذكر الجماعي، ومشاهد التربية العملية، وحضور الشيوخ الذين تُتلقّى عنهم المعاني قبل الأقوال.
وقد رأى بعينه كيف تُقدَّم الطاعة على الكلام، وكيف تُحفظ وحدة القلوب رغم اختلاف الطبائع، وكيف تُطوى الخصومات ولا تُروى، وكيف يُربّى الفقير على التواضع وحسن الأدب وخدمة الطريق في صمت.
وكانت هذه المشاهد اليومية بمثابة دروس حية تُغرس في النفس دون حاجة إلى تفسير، إذ كان يتعلم منها أن حقيقة الطريق سلوكٌ يسبق اللسان، وخدمةٌ تسبق الخطاب.
كانت هذه النشأة تربية معاشرة لا سماع، وسلوك عمل لا شعارات؛ تربية يتلقاها السالك من أحوال المشايخ قبل أقوالهم، ومن ثباتهم قبل إرشادهم.
ولهذا صار النفَس التربوي والاستقامة جزءين أصيلين من تكوينه الروحي، لا مكتسبين من بعد، بل متشكّلين في عمق تجربته الأولى داخل حضرة الجدّ والأب.
*المحور الثالث: واقعة فاس… العلامة الفاصلة في مسار السند*
تعدّ واقعة فاس من أهم المحطات التي تجلّى فيها معنى السند في الطريق.
فقد قصد سيدي حمزة المدينة في ظرف خاص يطلب فيه رفع الالتباس، وكانت الشهادات المتطابقة بعد عودته تؤكد أنه خرج بيقين جديد بخصوص مقام حفيده سيدي معاذ.
ولم تكن تلك الواقعة إعلانًا ظاهريًا، بل كانت إشارة باطنية واضحة عند من عرف طريقة الشيخ في الإشارة، إذ كان لا يبوح إلا بما استقرّ في قلبه من نور، ولا يشير إلا لمن رأى فيه صفاءً وثباتًا واستقامة.
ومنذ ذلك الحين اعتبر كثير من الفقراء أن تلك الواقعة شكلت تحولًا في فهم مسار السند الروحي داخل الطريقة.
✍، البيضاء، عبدالفتاح العقيلي


تعليقات
0