تحت الأضواء الكاشفة، وفي قاعات مكيفة تزينها لافتات “Seafood 4 Africa” الزرقاء البراقة، تستعد النسخة الثانية من المعرض والمنتدى الإفريقي لصناعة الصيد وتربية الأحياء المائية للانطلاق. الصورة الترويجية تبدو مثالية: سفن عملاقة تشق عباب البحر،وشعارات رنانة تتحدث عن “التثمين” و”التطوير”. ولكن، خلف هذه الواجهة البرراقة، يكمن واقع مالح ومرير لا يمكن لملصقات الإعلانات أن تخفيه؛ واقع يتلخص في أن الجهات التي ترفع لواء تنظيم هذا الحدث هي ذاتها المتهمة بوضع السكين على رقبة ثروتنا السمكية.
إنه لمن السخرية المريرة أن يقام منتدى لمناقشة مستقبل البحر، بينما “الحرس القديم” من الشركات الكبرى المنضوية تحت لواء الفيدرالية المنظمة (FENIP)، يواجهون أصابع الاتهام يومياً بخصوص ممارسات استنزافية حولت سواحلنا الغنية إلى صحاري مائية. كيف يمكن للجلاد أن ينصب نفسه حكيماً ومدافعاً عن الضحية؟
حاميها.. مستنزفها
المنتدى، الذي يُفترض به أن يكون منصة للبحث عن حلول لمشاكل القطاع، يبدو وكأنه تحول إلى “كرنفال للعلاقات العامة” يهدف إلى تلميع صورة لوبيات الصيد الصناعي. هذه الشركات، التي تمتلك أساطيل ضخمة تشبه المصانع العائمة (كما يظهر بوضوح وفخر في ملصق المعرض)، لا تمارس الصيد فحسب، بل تمارس “الكشط” الممنهج لقاع البحر، متجاوزة في كثير من الأحيان الحصص (الكوطا) المسموح بها، ومتجاهلة فترات الراحة البيولوجية الضرورية لتكاثر الأسماك.
التقارير الميدانية وصرخات الصيادين التقليديين تتوالى حول الخروقات الجسيمة التي ترتكبها بعض الوحدات الصناعية المحسوبة على الجهات المنظمة.
نتحدث هنا عن استنزاف أنواع سمكية مهددة، وعن “صيد عرضي” يُرمى نافقاً في البحر، وعن تلاعب في التصريح بالكميات المصطادة. فهل سيتطرق المنتدى لهذه الخروقات؟ أم أن جدول الأعمال سيقتصر على صفقات التصدير وكيفية شحن ما تبقى من سمكنا إلى الموائد الأوروبية والآسيوية؟
“سي فوود”.. لإفريقيا أم منها؟
يحمل المعرض اسم “Seafood 4 Africa” (مأكولات بحرية لإفريقيا)، لكن الواقع الاقتصادي يشير إلى عكس ذلك تماماً. الشركات المسيطرة على هذا القطاع جعلت من السمك حلماً بعيد المنال للمواطن الإفريقي والمحلي، بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار الناتج عن توجيه الأجود والأكثر وفرة نحو التصدير (“valorization” بالمفهوم التجاري البحت). إنهم يستنزفون بحر إفريقيا ليطعموا غيرها، ثم يقيمون المنتديات للحديث عن الأمن الغذائي القاري!
الهروب إلى الأمام
إن تنظيم مثل هذه المنتديات الفخمة برعاية شركات كبرى ومؤسسات بنكية، لا يعدو كونه محاولة لـ “الهروب إلى الأمام” وشرعنة الأمر الواقع. بدلاً من مواجهة الحقيقة المؤلمة المتمثلة في تراجع المخزون السمكي والانتهاكات البيئية، تختار هذه الجهات الاختباء خلف مصطلحات تقنية براقة مثل “الاقتصاد الأزرق” و”تربية الأحياء المائية”، في حين أن ممارساتها اليومية تصب الزيت الأسود في هذا الاقتصاد الأزرق.
إننا لسنا ضد تنظيم المعارض ولا ضد تطوير الصناعة، ولكننا ضد النفاق الصناعي. لا يمكن بناء مستقبل مستدام لقطاع الصيد البحري بأيادٍ لا تتقن سوى لغة الاستنزاف والربح السريع على حساب التوازن البيئي.
قبل أن تصفقوا للشعارات المرفوعة في “Seafood 4 Africa”، انظروا إلى شباك الصيادين الصغار الفارغة، واسألوا عن الأسماك التي اختفت من أسواقنا، وحاسبوا من حول البحر من مورد رزق مستدام إلى منجم يتم نهبه حتى آخر سمكة. إن البحر لا ينسى، والملصقات الملونة لن تمحو آثار الجرف الجائر.


تعليقات
0