في عالم التصوف ومدارج السالكين، لا تخضع “المشيخة” والتربية الروحية لمقاييس الانتخابات أو التوافقات البشرية العابرة، بل هي اصطفاء رباني وميراث نوراني ينتقل عبر القلوب الصادقة لا عبر الأوراق، ليبقى “السر” محفوظاً في أهله جيلاً بعد جيل.
ومن هذا المنطلق، وأنا أكتب هذه الكلمات بصفتي خديماً للأعتاب ومريداً في الطريقة القادرية البودشيشية، أجد لزاماً عليّ أن أشارك القراء قراءتي للمرحلة الراهنة التي تعيشها زاويتنا العامرة، وتحديداً ما يتعلق بالأحقية الروحية والمعنوية لشيخنا وارث السر، سيدي معاذ القادري بودشيش، حفظه الله.
إن المتأمل بعين البصيرة والإنصاف، يدرك بيقين أن “السر” الذي أحيا به الله القلوب على يد العارف بالله، مجدد التصوف في عصرنا، سيدي حمزة القادري بودشيش (قدس الله سره)، لم ينقطع ولم يتبدد برحيله، بل انتقل ذلك النور بانسيابية تامة إلى وارثه البار سيدي جمال القادري بودشيش (رحمه الله)، ليستقر اليوم مشعاً وفيّاضاً في دوحة شيخنا الحالي سيدي معاذ.
وهذا الحكم ليس نابعاً من عاطفة جارفة، بل هو نتاج “قراءات نورانية” استمدت يقينها من ذوق الأحوال وصفاء المشرب، و”قراءات عقلية” استندت إلى واقع الأحداث وحكمة التدبير.
فعلى المستوى الروحي، نرى أن الحجة الدامغة التي لا يمكن تجاوزها هي موقف “الرعيل الأول” من كبار الفقراء وقدماء المريدين؛ هؤلاء الرجال الذين عاصروا سيدي حمزة في أوج عطائه التربوي، وتلقوا منه الإشارات والتربية المباشرة.
إن إجماع هؤلاء الشيوخ اليوم، والتفافهم حول سيدي معاذ، هو بمثابة شهادة حية وتزكية عملية تؤكد أنهم يشمون فيه عبق شيخهم الأول، ويرون فيه الامتداد الطبيعي لذلك المدد، فالقلوب التي صقلتها التربية الطويلة لا تجامل في دينها، ولا تخطئ في معرفة من يحمل الأمانة بحق.
أما إذا احتكمنا إلى العقل والمنطق لقراءة ما شهدته الطريقة مؤخراً من أحداث وتجاذبات، فإننا نجد دليلاً آخر على الأهلية والتمكين. لقد أثبت شيخنا سيدي معاذ، من خلال تعامله مع مختلف الظروف، أنه يتمتع برزانة كبيرة، وسعة صدر، وحكمة عالية في القيادة.
ففي الوقت الذي قد ينجرف فيه البعض وراء القيل والقال، ظل هو ثابتاً، مترفعاً عن الخوض في الصراعات الجانبية، وموجهاً كل الاهتمام نحو الجوهر: الذكر، والتربية، وخدمة الخلق.
إن هذا الهدوء في القيادة، والقدرة على الحفاظ على تماسك هذا الصرح الروحي العالمي وسط الأمواج، هو علامة فارقة تدل على أن السفينة تسير برعاية الله وحفظه. فمن يملك الحكمة لإدارة الأزمات، ويجمع القلوب المتنافرة، ويحافظ على السكينة في مجالس الذكر، هو المؤهل حقاً -روحياً وإدارياً- لقيادة الطريقة في هذا الزمان.
ختاماً، إن ما نعيشه اليوم في كنف الطريقة القادرية البودشيشية هو استمرار لربيع روحي بدأه سيدي حمزة، ورعاه سيدي جمال، ويقطف ثماره المريدون اليوم تحت نظرة سيدي معاذ. فالطريق محفوظ، والسر سارٍ في أهله، والقافلة تسير بمدد الله وتوفيقه.
حفظ الله شيخنا، وأدام نفع هذه الزاوية منارة للبلاد والعباد.


تعليقات
0