أحداث الداخلة|مقالات الرأي

من الذات الوهمية إلى الذات النورانية: قراءة فلسفية في معنى الإسناد الصوفي

IMG-20251211-WA0034

تنبيه منهجي في القراءة
هذا المقال لا يعالج الإسناد من زاويته التربوية أو السلوكية المعهودة في أدبيات التصوف، تلك الزاوية التي تناولتُها في دراستي السابقة المنشورة يوم الاثنين، والتي كانت معنيّة بمراتب التهذيب، وصحبة الشيخ، ودقائق التربية الروحية.

بل هو محاولة لفتح نافذة أخرى على هذا المفهوم؛ نافذة تستلهم روح الطريق لكنها تنظر في عمقه الوجودي:

كيف يتشكّل الإنسان عبر الاتصال؟
وكيف تنعكس في الإسناد بنية العلاقة بين الذات والمطلق، وبين القلب والكينونة؟

إنها قراءة فلسفية تتجاوز البعد العملي للسلوك،
لتطرح سؤالًا أعمق عن طبيعة الوعي، وعن كيفية عبور الإنسان من حدود ذاته الوهمية، إلى أفق الذات النورانية التي لا تتفتح إلا في فضاء علاقة تمنح المعنى، وتُعيد وصل الإنسان بجذره الأول.

مقدمة
حين يتأمل الإنسان رحلته في الوجود، يكتشف أنه كائن يبحث بلا انقطاع عن أصل يفسّر وجوده، وعن علاقة تعيد إليه توازنه الأول.

فالوجود ليس حدثًا منفصلاً عن جذره، ولا النفس كيانًا منغلقًا على ذاتها؛ بل نحن، في حقيقتنا، كائنات لا تكتمل إلا بالاتصال.

من هنا يظهر الإسناد الصوفي بوصفه محاولة عميقة لإعادة وصل الإنسان بالعالم، وبالمطلق، عبر سلسلة بشرية ظاهرة، لكنها في جوهرها خيط خفي يربط الجسد بالروح، والزمن بالأزل، والإنسان بالمصدر الأعلى.

فالتصوف لا يتوقف عند حدود العبادة أو المجاهدة، بل يطرح سؤالًا تأسيسيًا:
كيف يكون الإنسان ذاته حقًا؟ وكيف يستعيد صوته الداخلي وسط ضجيج الوجود؟

في هذا السياق تغدو الصحبة والمشيخة والإسناد أدوات وجودية قبل أن تكون أدوات روحية؛ لأنها تعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، وتجعل وعيه ينفتح على أفق لا يتجلّى إلاحين يدخل مجال تأثير قلب آخر يوقظه ويمنحه نورًا يتجاوز ظاهر الأشياء.

المحور الأول: انتقال الأحوال كفعلٍ أنطولوجي
حين يقول الصوفية إن حال الشيخ ينتقل إلى المريد، فهم لا يشيرون إلى تأثير نفسي مباشر، بل إلى تفاعل وجودي يحدث بين ذاتين.

ففي الفلسفة يُنظر إلى الإنسان باعتباره مركزًا للطاقة والمعنى، وكل مركز يؤثر في غيره.

أمّا عند الصوفية، فالشيخ مركز نور يبدّل شكل الوعي دون حاجة إلى خطاب.
الصحبة إذن ليست حدثًا خارجيًا، بل دخول في حقل روحي ومعرفي يجعل السالك يشترك مع شيخه في نوع من “التجاوب الوجودي”.

ولأن الأحوال لا تُكتب ولا تُحوَّل إلى لغة، فإنها تبقى شكلًا من أشكال المعرفة الحدسية التي تسمّيها الكتب الصوفية الذوق.

هذه المعرفة الذوقية هي محرك التحول الداخلي.
فالشيخ ليس معلّمًا نظريًا، بل بوابة يقف على عتبتها مستوى آخر من قراءة الوجود؛

قراءة لا يكفي العقل وحده لبلوغها مهما بلغ من الدقة والقدرة.
ولئن ميّزت الفلسفة الحديثة بين المعرفة المفهومية والمعرفة التجريبية للوعي، فإن التصوف يجمعهما، ويضيف إليهما معرفة حالية أعمق: معرفة تسبق المفهوم والموضوع، وتقترب من الشرارة الأولى التي يصدر عنها الإدراك.
المحور الثاني: المشيخة بوصفها بنية للمعنى وحراسة للكينونة رفض الصوفي للسير بلا شيخ ليس بحثًا عن سلطة، بل عن بنية تحفظ انسجامه الداخلي.

فالشيخ هو الذاكرة الحية للمعنى، والمنارة التي يختبر السالك عبرها حدود إنسانيته.

تلتقي التربية الصوفية هنا مع أسئلة فلسفية كبرى:
هل تستطيع الذات إصلاح نفسها؟ وهل يكفي الوعي لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية؟

يجيب الصوفية بأن الوعي وحده لا يكفي؛ لأنه في جوهره جزء من المشكلة، ما دام محكومًا بقيود النفس.

أما الشيخ فهو وعي متجاوز، اكتمل بالتزكية، فتحول إلى مرآة يرى السالك فيها نفسه وقد تحررت من أوهامها.

ولذلك قال ابن عطاء الله إن من لا شيخ له لقيط روحي، لا لأن الشيخ يحمل الحقيقة المطلقة، بل لأن النفس بلا تربية مستمرة تتأرجح بين وهم القوة ووهم المعرفة.

الإسناد بهذا المعنى ليس سلسلة أسماء، بل سلسلة معانٍ، تحرس الفهم من الانحراف، وتحفظ العقل الروحي للأمة كما تحفظ الكتب عقلها النظري، والعادات عقلها الأخلاقي.

المحور الثالث: التزكية كتجاوز للذات لا كتحسينٍ للأخلاق
التزكية في ظاهرها تهذيبٌ للأخلاق، لكنها في حقيقتها مشروع أنطولوجي يعيد تشكي الإنسان من الداخل.

الفلسفة تتكلم عن بناء الذات، أما التصوف فيتحدث عن انمحاء الذات الوهمية كي يظهر الإنسان الحقّ.

السالك حين يدخل الطريق لا يبحث عن تحسين صفاته فحسب، بل عن ولادة جديدة؛

عن عبور من مستوى إنساني محدود إلى أفق واسع من الحضور.
وفي هذا العبور يحتاج إلى من يعرف الطريق، لا لسلطته، بل لخبرته وعبوره الشخصي لمحن السلوك ولطائف الكشف.

التزكية ليست عملية ميكانيكية، بل علاقة بين جهد الإنسان ولطف الله، بين محاولة السالك وعناية الشيخ التي ترده إلى انسجامه الأول.

وكلما اتسعت التزكية، اتسعت قدرة الإنسان على الحضور، واقترب من المعنى الذي وُجد من أجله.

خاتمة
يمثل الإسناد الصوفي، من زاوية فلسفية، إحدى أبرز الطرق التي فهم بها الإنسان ذاته.

فهو لا يقدم منهجًا تربويًا فحسب، بل رؤية كاملة للعلاقة بين الفرد والوجود، وبين القلب والمطلق.

ومن خلاله يدرك الإنسان أن رحلته لا تتم بمعزل عن الآخرين، وأن الحقيقة لا تُنال بالانفصال، بل بالانخراط في سلسلة بشرية وروحية تحفظ المعنى وتجدد حضوره في كل جيل.

فإذا انقطع الإسناد، انطفأ نور المعنى؛ لأن المعرفة التي لا تنتقل عبر قلب حيّ تبقى أشبه بنجم بعيد: يُرى ولا يُهتدى به.

وحين تبقى السلاسل حيّة، يتجدد سرّ النبوة، ويتحوّل التصوف من تجربة فردية إلى حكمة كونية تمنح الإنسان نورًا داخليًا يواجه به غموض الوجود.

البيضاء، عبدالفتاح العقيلي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أحداث الداخلة