أحداث الداخلة|مقالات الرأي

تجلّيات السند الروحي في التجربة البودشيشية ومقام سيدي معاذ القادري.. الجزء الثاني

صورة واتساب بتاريخ 1447-06-12 في 20.11.47_5c98bdef

الاستقامة والنَّفَس التربوي… أساس الشرعية الروحية في مقام سيدي معاذ.

*المحور الرابع: شهادات الجدّ والأب… توارث السرّ*

من الجوانب التي لا يمكن إغفالها شهادة الجدّ سيدي حمزة، إذ كان كثيرًا ما يخص حفيده بكلمات حاملة لإشارات واضحة، يفهمها أهل الذوق باعتبارها إشارات إلى مقامه الروحي واستقامته.
أما الوالد سيدي جمال فقد كان أكثر تصريحًا، خاصة في أيامه الأخيرة، حيث شهد بأن السرّ استقر في معاذ، وأن هذا الاستقرار لم يكن مجرد امتداد عائلي، بل ثمرة لسلوك مستقيم وثبات على خدمة الطريق وأدب مع المشايخ.

وقد حفظ الفقراء هذه الشهادات لما حملته من وضوح داخلي يصدق بعضه بعضًا على امتداد السنين.

*المحور الخامس: الاستقامة… الشرط الجوهري لحمل السند الروحي*
لا يستقيم الحديث عن الإرث الروحي دون إبراز مكانة الاستقامة، فهي ميزان السالكين والعمدة التي تُوزَن بها القلوب.

فالسرّ لا يُسلَّم لمن لم يتهذّب سلوكه ولم يثبت على الحق في السرّ والعلن، ولا يستقرّ في قلب تعترضه الأهواء أو تحركه المظاهر.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
فصلت: 30

وقد درج أهل الطريق على النظر إلى الاستقامة قبل النظر إلى أي علامة أخرى، لأنها برهان صدق الباطن، وهي التي تُظهر من معاني السلوك ما لا يُظهره القول ولا القرب الظاهري.

ومن عرف سيدي معاذ وجد فيه ثباتًا وتواضعًا ودوامًا على الأدب والخدمة، وهي علامات الاستقامة التي تسبق المقام وتؤكده، وتشهد للسرّ قبل أي تزكية علنية.

ولهذا كان أهل التربية يقولون إن من لم تُقِمْه الاستقامة على الجادة، ولم يُهذّبه التواضع في السلوك، فلا ينال من الإرث الروحي شيئًا، ولو اجتمعت له ألف وصية وشهادة.

لأن الإرث نور، والنور لا يستقرّ إلا في قلب مستقيم خاشع، لا في قلب تعلوه الأنانية أو تحجبه الدعوى.

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾
النور: 35

*المحور السادس: الاستمرار التربوي ومقام التزكية*
حين ينظر الفقير اليوم إلى سيدي معاذ، يجد النفس التربوي الذي عرفه في حضرة الجدّ والأب حاضرًا بقوة: دعوة إلى الذكر، تذكير بالتجرد، حرص على جمع القلوب، وتجنب ما يثير الفتن.
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
الرعد: 28

واللافت أن هذا النفس استمر في أحلك اللحظات بعد وفاة سيدي جمال، حيث اتسم موقفه بالهدوء والثبات والاستقامة العملية، لا بمنطق الاصطفاف، مما أعاد كثيرًا من الفقراء إلى ميزان التوحيد.

ولذلك لم يكن القرار الرسمي الذي جاء لاحقًا منشئًا للشرعية الروحية، بل كان اعترافًا ظاهرًا بما استقرّ في الباطن عبر السنين بفضل التربية والنور والاستقامة والعمل.

*المحور السابع: البعد الأخلاقي والإنساني في علاقة الشيخ بالمريدين*
تقوم التربية الصوفية في جوهرها على علاقة ربانية تجمع الشيخ بالمريد، قوامها الرحمة والصدق والحكمة، لا السيطرة ولا التملك.

فالمربّي عند أهل الله ليس قائدًا تنظيميًا ولا صاحب سلطة ظاهرية، بل هو قلبٌ ممتلئ بنور الله، يفيض على من حوله بالحبّ والستر والتوجيه.

وقد درج العارفون على القول إن الشيخ لا يُعرف بكثرة أتباعه، بل بصفاء أخلاقه، وسعة صدره، وحلمه على مريديه، لأن الأخلاق هي الصورة الظاهرة للنور الباطن، ومن لا أخلاق له لا تربية له.
والعلاقة بين الشيخ والمريد علاقة إنسانية قبل أن تكون تربوية؛ علاقة تقوم على الرفق، كما قال تعالى في وصف سيد الخلق ﷺ:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
آل عمران: 159

فهذا الميزان القرآني يُبيّن أن جمع القلوب لا يتم بالقوة، بل باللين والحكمة وحسن المعاملة.

وقد تميّز سيدي معاذ بهذا البعد الأخلاقي في علاقته بالمريدين؛ فهو يُقبل على كل واحد بوجهٍ بشوش، ويستمع دون حكم، ويستر الزلات، ولا يزيد المريد إلا تشجيعًا على الذكر والصدق وخدمة الطريق.

وهذه الرحمة التي يحملها هي الامتحان الحقيقي لكل مربٍّ، لأنها لا تُكتسب بالطلب، بل تتنزّل بنور التزكية وصدق القصد مع الله.

كما يظهر بُعده الإنساني في حرصه على رفع الحرج عن الفقراء، وإبعادهم عن الفتن، وتذكيرهم بأن الطريق ليس مقام تنافس، بل مقام عبودية.

فهو يجمع ولا يفرّق، ويُصلح ولا يُثير، ويعيد كل مريد إلى مركز التوحيد ليبقى السلوك قائمًا على الله لا على الأشخاص.

ومن دلائل هذا البعد الأخلاقي أنه لا يسمح للقرب الظاهري أن يتحول إلى تمييز فارغ، ولا يُقدّم أحدًا بغير معيار الاستقامة والصدق.

وهذه عادته امتدادٌ لما ورثه عن الجدّ والأب، إذ كانا يعلّمان أن الشيخ أقرب إلى المريد بمحبته لا بمكانه، وبنوره لا بصوته، وبأخلاقه قبل أي شيء آخر.

ولذلك فإن علاقة سيدي معاذ بالمريدين ليست علاقة هيبة ولا تنظيم، بل علاقة بناءٍ وتزكية، يُعين فيها كل سالك على إصلاح نفسه، ويعيده إلى الأدب، ويرشده إلى الله دون ضجيج ولا ادعاء.

وهذه العلاقة هي التي تحفظ وحدة القلوب في الطريق، لأنها مبنية على الرحمة، والرحمة هي تاج الأخلاق، وميزان أهل الله في كل زمان.

*الخاتمة*
الإرث الروحي لسيدي معاذ القادري البودشيشي إرث يقوم على ثلاثة أسس:

أولها السند الباطني الذي شهد به الجدّ والأب وأكّدته وقائع الطريق.

وثانيها النفس التربوي الذي استمر في سلوكه وحضوره.

وثالثها الاستقامة التي ظهرت في أدبه وخدمته وثباته، وكانت ميزان أهل الطريق في التحقق من أهليته لحمل الأمانة قبل أي قرار ظاهر.
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾
طه: 132

وبهذا يتبيّن أن مقامه ليس وظيفة تُنال، بل أمانة تُحمَل، وأن الطريق لا يقاس بالكثرة ولا بالظهور، بل بالقلب الذي يدلّ على الله ويعيد السالك إلى نور التوحيد كلما اشتدّ الالتباس.

✍، البيضاء، عبدالفتاح العقيلي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أحداث الداخلة