تتمتع جهة الداخلة-وادي الذهب بمؤهلات سياحية فريدة تجعلها “لؤلؤة الجنوب” المغربي، حيث تمتزج رمال الصحراء الذهبية بزرقة مياه المحيط الأطلسي في مشهد طبيعي خلاب.
هذه الإمكانيات الهائلة تضع على عاتق المجلس الجهوي للسياحة مسؤولية كبرى لتحويلها إلى منتج سياحي تنافسي ومستدام، قادر على جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المنشودة.
لكن على الرغم من الجهود المبذولة، تبرز تساؤلات وانتقادات حول استراتيجية المجلس ومدى نجاعته في تحديد الأولويات، خاصة عند تسليط الضوء على أنشطة تبدو محدودة الأثر.
استراتيجية تفتقر إلى البوصلة؟
تعتبر مدينة الداخلة وجهة عالمية معروفة لدى عشاق الرياضات المائية مثل ركوب الأمواج والتزلج الشراعي (Kitesurf)، وهو ما يمثل العلامة الفارقة والمنتج السياحي الأقوى للجهة.
وفي هذا الإطار، ترتكز الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2023-2026 على تعزيز هذا التميز من خلال سلسلة “أمواج المحيط” (Ocean Waves) التي تلعب فيها الداخلة دوراً محورياً.
كما تم التوقيع على عقد تطبيقي لتطوير تسعة مشاريع مهيكلة تشمل تحسين البنى التحتية وإنعاش الترفيه السياحي، وإنشاء مدرسة للرياضات المائية.
مع ذلك، يرى منتقدون أن بوصلة المجلس الجهوي للسياحة تنحرف أحياناً عن هذه الأهداف الاستراتيجية الكبرى، لتتجه نحو تنظيم فعاليات وأنشطة ذات طابع محلي محدود ومردودية سياحية ضعيفة، مما يشتت الجهود والموارد المالية التي يمكن توجيهها لمشاريع أكثر إلحاحاً وأعمق أثراً.
مسابقة الصيد بالقصبة: مثال على الأنشطة غير المجدية؟
يُعد تنظيم مسابقات الصيد بالقصبة مثالاً بارزاً يطرحه المتتبعون كدليل على ضعف الرؤية الاستراتيجية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الجهة إلى تعزيز بنيتها التحتية الفندقية، وتطوير الربط الجوي الدولي والمحلي، وتكوين الكفاءات في قطاع الخدمات السياحية، يخصص المجلس جزءاً من اهتمامه وموارده لتنظيم مسابقة تستقطب عدداً محدوداً من الهواة والمشاركين المحليين.
وعلى الرغم من أن هذه المسابقات تساهم في خلق حركية محلية محدودة، إلا أنها لا ترقى لتكون رافعة سياحية حقيقية قادرة على جذب السياح الدوليين الذين يشكلون عصب القطاع في الداخلة.
فالسائح الأوروبي أو العالمي لا يخطط لرحلته إلى الداخلة من أجل متابعة مسابقة صيد بالقصبة، بل يأتي من أجل تجربة الرياضات المائية الفريدة، والاستمتاع بالطبيعة الصحراوية الساحرة، واكتشاف الثقافة الحسانية الغنية.
التحديات الحقيقية التي تتطلب تركيزاً أكبر
بدلاً من استهلاك الموارد في أنشطة ثانوية، يواجه قطاع السياحة بالداخلة تحديات جوهرية تتطلب تركيزاً كاملاً من المجلس الجهوي للسياحة:
1. النقل الجوي: لا يزال ضعف الربط الجوي وارتفاع أسعار التذاكر من أكبر العوائق التي تحد من تدفق السياح. ورغم إطلاق خطوط جوية جديدة مؤخراً من مدن فرنسية، إلا أن الحاجة ماسة لفتح المزيد من الخطوط المباشرة مع عواصم أوروبية أخرى بأسعار تنافسية.
2. الطاقة الإيوائية: رغم التطور الملحوظ، لا تزال الجهة بحاجة إلى رفع طاقتها الإيوائية عبر تشجيع الاستثمارات في فنادق مصنفة ومنتجعات سياحية تحترم معايير الاستدامة البيئية.
3. التكوين والخدمات: جودة التجربة السياحية تعتمد بشكل كبير على كفاءة الموارد البشرية. الاستثمار في تكوين الشباب في مجالات الاستقبال، الإرشاد السياحي، وإدارة الفنادق والمطاعم يجب أن يكون أولوية قصوى.
4. التنويع والابتكار: إلى جانب الرياضات المائية، تزخر الداخلة بفرص لتطوير السياحة البيئية (Ecotourism) من خلال محمياتها الطبيعية، والسياحة الثقافية عبر تثمين التراث الحساني، وسياحة المغامرات في عمق الصحراء.
في الختام، يمتلك المجلس الجهوي للسياحة بالداخلة فرصة تاريخية لقيادة قاطرة التنمية في واحدة من أكثر جهات المغرب وعداً. لكن تحقيق هذا الطموح مرهون بالقدرة على تحديد الأولويات بدقة، والتركيز على المشاريع المهيكلة ذات القيمة المضافة العالية، وتجنب إهدار الطاقات والموارد في أنشطة احتفالية محدودة الأثر لا تخدم الرؤية الاستراتيجية الشاملة لتطوير وجهة الداخلة السياحية.


تعليقات
0