كلّ رحلة روحية تبدأ من موضع خفيّ: من القلب.
هناك حيث تتنزل البدايات، وتتشكل الخطوات الأولى، وتلمع إشارات الطريق.
غير أن القلب، على رقّته ونقاء استشعاره، لا يكشف أسراره بنفسه، ولا يبلغ صفاءه إلا في ظل صحبة تحمله، وتنقله من ظلمة الوهم إلى نور الفهم.
التصوف – كما ورّثه أهل الله – ليس معارف تُقرأ، ولا مصطلحات تُحفظ؛ إنه حضور حيّ، وسلسلة من أنفاس، تمتدّ عبر الزمن حتى تصل إلى الحضرة المحمدية.
الإسناد ليس تاريخًا، بل حياة تتدفّق.
ليس ترتيبًا للأسماء، بل ترتيبًا للأنوار.
هو انتقال سرٍّ من قلب صدق إلى قلب يستعد، ومن عين شاهدت إلى عين تتهيأ للكشف.
المحور الأول: الصحبة… حين يتكلّم الصمت
الإنسان كائن يتأثر قبل أن يفكر، ويلتقط من الجوهر أكثر مما يأخذ من العبارة.
لذلك، جعل أهل التصوف الصحبةَ أساس السلوك، لأنها تصنع في القلب ما لا تصنعه الآلاف من الكلمات.
فالشيخ ليس مجرّد شارح للمعاني، بل هو حضور يشرق، ومرآة يكشف للمريد ملامح نفسه المستترة خلف غبار الأيام.
يكفي أن يجلس السالك بين يديه، لتبدأ تربية خفية لا تُرى، كالمطر ينزل على بذور كانت تنتظر لحظة الانفتاح.
انتقال الأحوال يشبه انتقال القرآن بالتواتر: نورٌ يحمله صدر إلى صدر.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يورّث النص فحسب، بل ورّث الهيبة، والسكينة، والعلم الذي يشعّ من العين قبل أن يمرّ باللسان.
وما دام الحال لا يُكتب، بقي محفوظًا في صدور الرجال، كي يظلّ النور حيًّا لا ينقطع.
المحور الثاني: المشيخة… حراسة المعنى وأمانة السرّ
المشيخة ليست سلطة، وليست رئاسة، بل هي وقوف على باب الأمانة.
الشيخ الحقيقي هو الذي ورث العلم والنور معًا، فأصبح مأذونًا بأن يفتح للآخرين أبواب أنفسهم.
العلم من غير حال قد يُضلّ، والحال من غير علم قد يُغرق؛ والمشيخة هي الجمع بين النورين.
ولهذا كان أهل العلم يذكرون سندهم في الفقه كما يذكرونه في التصوف، لأن الإسناد ليس خاصية صوفية، بل خاصية وجودية… هو معنى الاتصال ذاته.
التلقين الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكن شكلاً، بل كان سرًّا يتفتّح مع كل كلمة توحيد تُؤخذ بإذن.
وهكذا ظلّت الطرق الصوفية تحمل هذا النفس النبوي، تحفظ للذكر أثره، وللتربية مسارها.
المحور الثالث: السلوك… فعل التحوّل
السالك لا يبحث عن المعرفة، بل عن الانقلاب الداخلي: عن أن يصبح قلبه صالحًا لاستقبال النور.
وهذا لا يتحقق بالقراءة، بل بالمجاهدة، والصدق، والتربية.
التصوف امتداد لرسالة النبي الذي “يتلو الآيات ويزكي النفوس.”
وما التزكية إلا إعادة ترتيب الداخل، وتخفيف أثقاله، وجعل القلب قابلاً لأن يرى.
وجود الشيخ ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية؛ لأن الطريق مليئة بمنعطفات يتشابه فيها الوهم بالحقيقة، ولا ينجو فيها إلا من أخذ بيدٍ عرفت الطريق قبله.
وقد قال أبو مدين الغوث، أحد أئمة التربية الصوفية:
.«لازِمُوا الأشياخ، فإنهم إلى الله دليل»
وليس المقصود التخويف، بل كشف الحقيقة: القلب الذي يسير وحده قد يضلّه حاله أكثر مما يهديه عقله.
الإسناد الصوفي ليس أثرًا من الماضي، ولا زخرفًا لطريق منقرض.
هو الامتداد الحيّ لوعد الله بأن لا يخلو الزمان من قلب قائم بالحق.
فإذا بقيت السلاسل حيّة، بقي النور جاريًا، وبقيت المعاني قادرة على أن تُورِق.
وإذا انقطعت، لم ينقطع الرجال فقط، بل انقطع سرّ التربية الذي يحمي الدين من جفاف الفهم وتشتّت القلوب.
وهكذا يتّضح أن السير إلى الله مسار يتساند فيه القلوب؛ يبتدئ بصحبة صادقة، ويترقّى بتوجيه شيخ ربّاني، ويستقرّ في قلبٍ صار موطنًا للسرّ وموضعًا للهداية.
✍️، البيضاء، عبدالفتاح العقيلي


تعليقات
0