الجزء الأول: خطوات النور الأولى بعد التعيين المولوي
**مقدمة**
في تلك البقعة التي يلتقي فيها الرمل بالموج، وتتعانق الصحراء مع زرقة الأطلسي، كانت الداخلة تستقبل حدثًا تمشي إليه الأرواح قبل الخطى.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
سورة النور الآية35
في أقصى الجنوب المغربي، حيث تُفتح أسرار الجهات لمن يعرف لغة الذكر، شهدت مدينة الداخلة يومي الجمعة 21 نونبر —وقد ازدانت ببركة صلاة الجمعة— والسبت 22 نونبر 2025 زيارةً روحية لشيخ الطريقة القادرية البودشيشية، سيدي معاذ القادري بودشيش.
وتزامن هذا الحضور مع القرار الأممي الأخير حول الصحراء المغربية، والذكرى السبعين لاستقلال البلاد، وإعلان جلالة الملك يوم 31 أكتوبر عيدًا للوحدة الوطنية.
هكذا غدت الزيارة لحظة يتداخل فيها الزمن الروحي مع الزمن الوطني، ويلتقي فيها مسار الوطن بنور الذكر.
**المحور الأول: رحلة التجديد… بدايات ربانية بعد التعيين الملكي **
منذ تعيينه في 12 غشت الأخير من طرف جلالة الملك محمد السادس نصره الله شيخًا للطريقة القادرية البودشيشية، اختار سيدي معاذ القادري بودشيش أن يسير على نهج جده الشيخ حمزة، قدس الله سره، الذي كان في بداياته يجوب مدن المغرب ومناطقها، يحيي القلوب ويجدد الوصل بين المريدين والطريق.
لم يبدأ الشيخ معاذ جولته الروحية من المراكز المعهودة، بل آثر أن يجعل أولى خطواته نحو الجنوب، إلى مدينة الداخلة تحديدًا، وكأنه يستجيب لنداء رباني يسبق التخطيط البشري.
كان اختياره لهذه المدينة العزيزة بدلالاتها التاريخية والروحية بداية تحمل أكثر من معنى، وسيكشف مسار الزيارة عن حكمتها العميقة واتساع رؤيتها التي تتجاوز الجغرافيا إلى المعنى والرسالة.
**المحور الثاني: الداخلة… مدينة عند تخوم البحر والرمال **
الداخلة ليست مدينة عادية، بل فضاء يجمع بين أطراف المغرب وامتداده الإفريقي.
في هذه الجهة الجنوبية يتجلى حضور التصوف الحساني في الشعر والمديح والمجالس، ويظهر عمق الارتباط بين القبائل والموروث الروحي الذي تشكل عبر القرون.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
سورة الفتح الآية4
حين وصل الشيخ معاذ إلى المدينة، بدا المشهد امتدادًا لروحٍ تسكن الصحراء منذ قرون، روحٍ تعرف العارفين وأهل الله كما تعرف أبناءها، فازدادت السكينة حضورًا وازدادت الأنوار وضوحًا.
واستقبل أهل الداخلة، ولا سيما أعيانها ووجهاؤها، سيدي معاذ استقبالًا يليق بمقام الضيوف الكرام، فاحتفت المدينة بقدومه احتفاءً كبيرًا يعكس مكانة الروح في قلوب أهلها واعتزازهم بإرثهم الصوفي العريق.
**المحور الثالث: ليلة 22 نونبر… تزامن بين الاستقلال والوحدة والفتح الروحي **
لم تقع ليلة الذكر في فراغ زمني.
فقد جاءت بعد قرار أممي حاسم أكد وجاهة الموقف المغربي، وفي ظل إعلان جلالة الملك محمد السادس نصره الله ليوم 31 أكتوبر عيدًا للوحدة الوطنية، ومع حلول الذكرى السبعين لاسترجاع الاستقلال.
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
سورة إبراهيم الآية5
في هذا السياق، حملت ليلة الداخلة رسالة صامتة مفادها أن الوطن ليس بناءً سياسيًا فقط، بل هو أيضًا بناء روحي، وأن الاحتفال بالاستقلال والوحدة لا يكتمل إلا باستعادة المعنى في النفوس.
الذكر والسماع والمديح في تلك الليلة بدت كأنها توحّد ما تفرّق من الأزمنة وتجمع بين فرحة الإنجاز الوطني وإشراق التوجه الروحي.
يتبع…
✍️، الداخلة، عبدالفتاح العقيلي


تعليقات
0