أحداث الداخلة|مقالات الرأي

إشراقة في تخوم الجنوب… حين زار النور مدينة الداخلة .. الجزء الثاني

2a03af14-1987-4d38-9e38-1c56e4925193

الجزء الثاني: وحدة الروح والوطن… حين تتكلّم الصحراء بلباس الولاء والذكر

المحور الرابع: حضور أمير المؤمنين في وجدان الناس
لم يغب جلالة الملك عن الليلة، وذكره والدعاء له كانا جزءًا من نفس الحضرة، ما يعكس ما يحمله أبناء الصحراء من ولاء راسخ للعرش العلوي وإمارة المؤمنين.

﴿لَّوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة الأنفال الآية 63

فقد تأسس النموذج المغربي للدين على المذهب المالكي، وعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهذا البناء يجده في رعاية جلالة الملك دعامة مستمرة.
لذلك بدا واضحًا أن الليلة الروحية جزء من الامتداد الطبيعي لنهج روحي يحرص الملك على صونه، حفاظًا على الأمن الروحي للمملكة ووحدتها الترابية.

المحور الخامس: الصحراء… حين تتكلم بلغة الأولياء

الصحراء أرض تعشق الخلوة والذكر، وقد عرفت عبر التاريخ أربطة وزوايا كان لها الفضل في نشر العلم والقرآن والتصوف نحو موريتانيا والسنغال ومالي وغيرها.

في خيمة الذكر بالداخلة عاد هذا الإرث إلى الحياة.
بدا السماع كأنه صدى لرجال ونساء مروا هنا وتركوا أثرًا في الرمال والقلوب.

كان المشهد تأكيدًا على أن الصحراء لم تفقد روحها، وأنها ما زالت قادرة على استقبال أهل الله كما كانت تفعل منذ قرون.

المحور السادس: الشباب الصحراوي… امتداد لنبالة الأسلاف وروح العصر

حضر الشباب الصحراوي بقوة في ليلة الذكر، ليس طلبًا للعزاء الروحي، بل تعبيرًا عن ارتباطهم الأصيل بإرث أجدادهم.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ سورة الكهف الآية 13

هذا الجيل الجديد يجمع بين الاعتزاز بالأصول والانفتاح على المستقبل، يدخل الطريق الصوفي من باب الوعي والاختيار لا من باب الاضطراب.

بدا واضحًا أن أبناء الصحراء يواصلون مسيرة أسلافهم الذين نشروا السلام والذكر والعلم، وأنهم قادرون على إضافة روح جديدة للتراث الروحي، محافظين على أصالتهم ومستجيبين لمتطلبات العصر.

حضورهم لم يكن تبعية، بل مشاركة فاعلة تؤكد أنهم جيل يصنع المعنى ويجدد الروابط مع الطرق والزوايا بروح الكرامة والشموخ.

المحور السابع: الشيخ معاذ… مرشد يسير بالنور لا بالكلام

في تلك الليلة، لم يكن الشيخ مجرد قائد للطريقة، بل كان تجسيدًا لطريق روحي حي.

وقد رافق سيدي معاذ في زيارته وفد كبير من مريدي الطريقة، تجاوز عددهم المائتي مريد، من بينهم عدد من الأطر والأساتذة والعلماء، مما منح الزيارة بعدًا إضافيًا وبرز امتداد الطريقة في أوساط المجتمع.

وقد تميزت ليالي الجمعة والسبت، وما جرى بينهما من لقاءات، وتدخلات ومجالس شارك فيها عدد من العلماء ووجهاء المدينة، حيث تبادلوا الرؤى والإضاءات الروحية والمعرفية، مما أضفى على الحدث عمقًا خاصًا وعكس مكانة الداخلة وأهلها في هذا الإرث الصوفي.

حضور سيدي معاذ الهادئ، تواصله مع الناس، احتضانه للشباب، واهتمامه بأبناء المنطقة، كل ذلك جعل الزيارة تتجاوز مفهوم الاحتفال إلى معنى أعمق: معنى الصحبة الروحية التي تربي بالقدوة قبل الكلام، وتهذب بصفاء القلب قبل النصائح.

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ سورة الكهف الآية 28

الطريق القادري البودشيشي ظهر في الداخلة كمنهج يعاش لا كتراث يستحضر.

خاتمة: من طنجة إلى الكويرة… خيط واحد من النور

بعد انتهاء الليلة، عادت المدينة إلى حياتها، لكن أثر الزيارة بقي.
بدت الداخلة في تلك الليلة كأنها تظهر طبقة من روحها العميقة، روح تحملها منذ زمن طويل، روح لا تمحوها الأزمنة، بل تزداد حضورًا كلما اجتمع أهل الذكر وأبناؤها البررة.

في تلك الليلة اجتمع التاريخ الوطني، والوجدان الروحي، وحضور الطرق ومخزون الدعاء.

وكأن الليل في تلك الربوع كان يفتح جناحيه ليحمل عن القلوب ما أثقلته الأيام، ويعيد إليها خفة النور حين يمر أهل الله.

أثبت الحدث أن المغرب، من طنجة إلى الكويرة، ليس فقط وحدة ترابية، بل وحدة روحية أيضًا، وأن التنمية لا تقوم على المشاريع المادية وحدها، بل على إنسان يعرف ربه ووطنه وملكه، ويسير بثبات في طريق يجمع الأصالة بالمعاصرة.

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ سورة الأنبياء الآية 92
في ختام هذا المقام، نسأل الله تعالى أن يديم على وطننا نعمه، وأن يحفظ بلادنا وأهلها، وأن يبارك في خطوات السائرين إليه بصدق، وأن يديم أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بالعون والتوفيق والصحة والسلامة.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

الداخلة، عبدالفتاح العقيلي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أحداث الداخلة